أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
636
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أحدهما : أنّها في محل نصب على الحال . والثاني : - وهو الأولى - أن تكون مستأنفة لا محلّ لها من الإعراب ، كأنها جواب سائل قال : هل لهم أجر ؟ وعطف ب « ثم » جريا على الأغلب ، لأنّ المتصدّق لغير وجه اللّه لا يحصل منه المنّ عقيب صدقته ولا يؤذي على الفور ، فجرى هذا على الغالب ، وإن كان حكم المنّ والأذى الواقعين عقيب الصدقة كذلك . وقال الزمخشري : « ومعنى » ثمّ » إظهار التفاوت بين الإنفاق وترك المنّ والأذى ، وأنّ تركهما خير من نفس الإنفاق ، كما جعل الاستقامة على الإيمان خيرا من الدخول فيه بقوله : ثُمَّ اسْتَقامُوا « 1 » ، فجعلها للتراخي في الرتبة لا في الزمان ، وقد تكرّر له ذلك غير مرة . و « ما » من قوله : « ما أَنْفَقُوا » يجوز أن تكون موصولة اسمية فالعائد محذوف ، أي : ما أنفقوه ، وأن تكون مصدرية فلا تحتاج إلى عائد ، أي : لا يتبعون إنفاقهم . ولا بدّ من حذف بعد « منّا » أي : منّا على المنفق عليه ولا أذى له ، فحذف للدلالة . والمنّ : الاعتداد بالإحسان ، وهو في الأصل : القطع ، ولذلك يطلق على النعمة ، لأنّ المنعم يقطع من ماله قطعة للمنعم عليه . والمنّ : النقص من الحق ، والمنّ : الذي يوزن به ، ويقال في هذا « منا » مثل : عصا . وتقدّم اشتقاق الأذى . و « منّا » مفعول ثان ، و « لا أذى » عطف عليه ، وأبعد من جعل « ولا أذى » مستأنفا ، فجعله من صفات المتصدّق ، كأنه قال : الذين ينفقون ولا يتأذّون بالإنفاق ، فيكون « أذى » اسم لا وخبرها محذوف ، أي : ولا أذى حاصل لهم ، فهي جملة منفية في معنى النهي ، وهذا تكلّف ، وحقّ هذا القائل أن يقرأ « ولا أذى » بالألف غير منوّن ، لأنه مبنيّ على الفتح على مشهور مذهب النحاة . قوله تعالى : قَوْلٌ مَعْرُوفٌ : فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه مبتدأ وساغ الابتداء بالنكرة لوصفها وللعطف عليها . و « مغفرة » عطف عليه ، وسوّغ الابتداء بها العطف أو الصفة المقدّرة ، إذ التقدير : ومغفرة من السائل أو من اللّه . و « خير » خبر عنهما . وقال أبو البقاء في هذا الوجه : « والتقدير : وسبب مغفرة ، لأنّ المغفرة من اللّه تعالى ، فلا تفاضل بينها وبين فعل العبد ، ويجوز أن تكون المغفرة مجاوزة المزكّي واحتماله للفقير ، فلا يكون فيه حذف مضاف » . والثاني : أنّ « قول معروف » مبتدأ وخبره محذوف أي : أمثل أو أولى بكم ، و « مغفرة » مبتدأ ، و « خير » خبرها ، فهما جملتان ، ذكره المهدويّ وغيره . قال ابن عطية : « وهذا ذهاب برونق المعنى » . والثالث : أنه خبر مبتدإ محذوف تقديره : المأمور به قول معروف . وقوله : يَتْبَعُها أَذىً في محلّ جرّ صفة لصدقة ، ولم يعد ذكر المنّ فيقول : يتبعها منّ وأذى ، لأنّ الأذى يشمل المنّ وغيره ، وإنّما ذكر بالتنصيص في قوله : « لا يتبعون ما أنفقوا منّا ولا أذى » لكثرة وقوعه من المتصدّقين
--> ( 1 ) سورة فصلت ، آية ( 30 ) .